Site icon Haddad Media Groups

“اتفاق 3 حزيران”: كيف تغلّب “منطق الدولة” على السيناريو الأسوأ في جنوب لبنان؟

اتفاق 3 حزيران


شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن بالأمس منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار الصراع الحدودي، حيث تُوّجت الجولة الرابعة من المفاوضات الثلاثية بالتوصل إلى اتفاق أمني وإجرائي جديد يضع حداً لأسابيع من حبس الأنفاس، ويرسم خارطة طريق جديدة لمستقبل الجنوب اللبناني، ممهداً الطريق لجولة المفاوضات الشاملة المقررة في الثاني والعشرين من حزيران الجاري.

هذا الاتفاق لا يمثل مجرد تهدئة عابرة، بل يشكل إعادة صياغة جذرية لقواعد اللعبة الأمنية على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، وسط تساؤلات مشروعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية حول طبيعة هذا الاتفاق مقارنة بالقرارات الدولية السابقة، وحول هوية “الرابح الأكبر” من هذه التسوية القيصرية.

من الـ 1701 إلى “اتفاق واشنطن”: من الإطار الفضفاض إلى “المناطق التجريبية”

عند وضع الاتفاق الجديد في كفة، والقرار الدولي 1701 (الصادر عام 2006) في الكفة الأخرى، يتضح سريعاً أن المفاوض اللبناني – المدعوم برؤية عسكرية وسياسية صلبة – قد انتقل من مرحلة “النصوص الفضفاضة” إلى مرحلة “الآليات التنفيذية الصارمة”.

فبينما نص القرار 1701 على جعل المنطقة الممتدة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من المسلحين عبر تنسيق خجول بين الجيش وقوات “اليونيفيل”، جاء “اتفاق واشنطن” ليعتمد صيغة “المناطق التجريبية” (Pilot Zones). هذه الصيغة تمنح الجيش اللبناني وحده السيطرة الحصرية والكاملة على الأرض، وتضع إطاراً أمنياً صريحاً – مستنداً لمباحثات البنتاغون – يقضي بتفكيك الجماعات المسلحة ومنع عودتها، مع ربط وقف إطلاق النار شرطياً بإخلاء عناصر “حزب الله” لجنوب الليطاني، وتحت رقابة وإشراف أمريكي مباشر يضمن الالتزامات التنفيذية لكلا الطرفين.

ميزان الأرباح والخسائر: من هو الفائز الأكبر؟

في قراءة موضوعية لمخرجات التفاوض، يبدو أننا أمام معادلة نسبية فرضتها موازين القوى الميدانية والدبلوماسية:

خريطة طريق الرئيس جوزاف عون: كبح جماح “السيناريو الأسوأ”

الحقيقة الميدانية والدبلوماسية تؤكد أن هذا الاتفاق لم يكن ليرى النور لولا الرؤية الاستباقية التي قادها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. فقد نجحت خطته الأمنية والسياسية في تجنيب لبنان “السيناريو الأسوأ” الذي كان يتمثل في اجتياح إسرائيلي شامل، أو تحويل الجنوب إلى أرض محروقة معزولة، أو الانزلاق نحو صدام داخلي وفتنة أهلية مدمرة.

طرح الجيش اللبناني لـ “المناطق التجريبية” كبديل واقعي وتدريجي لبسط السيادة قطع الطريق على الطروحات الإسرائيلية التي كانت تطالب بفرض مناطق عازلة تحت سيطرة أجنبية. كما أن التزام الإدارة الأمريكية الصريح بدعم وتطوير قدرات الجيش اللبناني لوجستياً ومادياً يعكس الثقة الدولية بالقيادة العسكرية اللبنانية باعتبارها الضامن الوحيد والشرعي للاستقرار.

ينتقل لبنان اليوم، بفضل هذا الاتفاق، من مرحلة “إدارة النيران” إلى مرحلة “إدارة المخاطر السياسية”، في انتظار ما ستسفر عنه طاولة المفاوضات الشاملة في 22 حزيران، والتي ستحدد بشكل نهائي معالم الاستقرار طويل الأمد على الحدود الجنوبية.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات