بيروت – التحليل الاقتصادي
بينما تنشغل الدبلوماسية الدولية في محاولات احتواء النيران المشتعلة في المنطقة، يجد لبنان نفسه أمام مشهد اقتصادي هو الأصعب في تاريخه الحديث. لم تعد الأزمة مجرد انهيار مالي بدأ في 2019، بل تحولت بفعل التداعيات العسكرية والأمنية إلى “نزيف بنيوي” يهدد ما تبقى من مقومات الدولة.
تشير التقديرات الاقتصادية المحدثة لمطلع عام 2026 إلى أن فاتورة الحرب المباشرة وغير المباشرة قد اخترقت حاجز الـ 20 مليار دولار أميركي، وسط شلل شبه تام في المحركات التقليدية للنمو.
نزيف يومي وأرقام صادمة
في جردة حسابية قاسية، يُقدر المحللون أن الاقتصاد اللبناني يفقد يومياً نحو 32 مليون دولار. هذه الخسائر ليست مجرد أرقام في الميزانيات، بل هي تدمير ممنهج للقدرة الإنتاجية؛ حيث تسببت العمليات العسكرية في تضرر أكثر من 235 ألف وحدة سكنية، مما يضع ملف إعادة الإعمار أمام تحدٍ مالي يفوق قدرة الخزينة العامة المنهكة.
القطاعات الحيوية: من “النمو” إلى “البقاء”
لقد ضربت الحرب “الرئتين” اللتين كان يتنفس منهما لبنان:
السياحة والخدمات: بعد أن كان الرهان على الموسم السياحي لضخ العملة الصعبة، أدى عدم استقرار حركة المطار وإلغاء الحجوزات إلى خسارة مليارات الدولارات، مما دفع بآلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نحو الإغلاق النهائي.
الأرض المحروقة: في الجنوب والبقاع، لم تكن الخسائر زراعية فحسب، بل بيئية وطويلة الأمد. تضرر أكثر من 2100 هكتار من الأراضي، واستخدام مواد كيميائية في القصف أخرج مساحات شاسعة من الدورة الزراعية، مما يهدد الأمن الغذائي المحلي لسنوات قادمة.
فخ “اللائحة الرمادية” والدولرة القسرية
على الصعيد النقدي، يعيش اللبنانيون مفارقة غريبة؛ استقرار هش لسعر الصرف في ظل “دولرة شاملة” للأسواق. لكن هذا الاستقرار يخفي خلفه اتساعاً في فجوة الفقر. وزاد من تعقيد المشهد إدراج لبنان على “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF)، مما رفع كلفة الاستيراد والتأمين، وحوّل البلاد إلى “جزيرة مالية” معزولة يصعب التعامل معها دولياً.
“نحن لا نعيش حالة ركود عادية، بل نحن في قلب انكماش بنيوي أدى لفقدان الاقتصاد اللبناني لـ 40% من حجمه الإجمالي مقارنة بما كان عليه قبل ست سنوات” – خبير اقتصادي.
أفق مسدود أم فرصة أخيرة؟
مع وجود أكثر من مليون نازح داخلياً يضغطون على بنية تحتية متهالكة أصلاً، تبدو آفاق التعافي مرتبطة بقرار سياسي دولي وإقليمي كبير. إن حاجة لبنان لأكثر من 11 مليار دولار للتعافي الأولي تتطلب مساراً إصلاحياً جدياً مع صندوق النقد الدولي، وهو مسار يبدو “مجمداً” حتى إشعار آخر بانتظار وقف إطلاق النار.
يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع اللبناني: هل يستطيع هذا الاقتصاد الصمود أمام جولة أخرى من التصعيد، أم أن “الارتطام الكبير” قد وقع بالفعل وما نراه الآن هو مجرد غبار الانفجار؟

