لطالما كان التلفزيون في لبنان مرآةً للانقسام السياسي، لكن في الحرب الدائرة منذ 2024 وحتى اليوم، تحولت الشاشات إلى “غرف عمليات” مفتوحة. بين مطرقة السبق الصحفي وسندان المسؤولية الوطنية، تذبذب أداء القنوات اللبنانية، مقدماً مشهداً يتراوح بين البطولة الميدانية والسقوط في فخ “البروباغندا” أو الإثارة الرخيصة.
المراسل الميداني: البطل الحقيقي والضحية
لا يمكن الحديث عن التغطية دون الانحناء أمام جيل من المراسلين والمصورين الذين خاطروا بحياتهم لنقل الحقيقة من القرى الحدودية ومن قلب الضاحية. لقد تفوقت الكاميرا اللبنانية في “أنسنة” الحرب؛ فلم تكتفِ بنقل عدد القتلى، بل دخلت البيوت المدمرة ورسمت ملامح النزوح بوجع حقيقي. لكن هذا “البطولة” اصطدمت أحياناً بـ “هوس التريند”، حيث رأينا مراسلين يندفعون نحو مناطق الخطر ليس لنقل معلومة جديدة، بل لانتزاع لقطة “درامية” ترفع نسب المشاهدة.
الاستوديوهات: تحليل أم تنجيم؟
بينما كان الميدان ينبض بالحقائق، كانت بعض الاستوديوهات غارقة في “التحليل الرغائبي”. وقعت قنوات عديدة في فخ “الجنرالات المتقاعدين” الذين تحولوا إلى منجمين عسكريين، يوزعون خرائط السيطرة والانسحاب بناءً على الانتماء السياسي للقناة لا على الواقع العسكري. هذا التضارب أصاب المشاهد بـ “التشتت المعلوماتي”، حيث يمكن للمشاهد أن ينتقل بين قناتين ليرى “نصرين حاسمين” أو “هزيمتين نكرين” للطرف نفسه في اللحظة ذاتها.
سقطات “البث المباشر”: التحريض والخصوصية
أكبر سقطات الإعلام اللبناني في هذه الحرب كانت في محورين:
التحريض الداخلي: استحضار لغة الحرب الأهلية في بعض البرامج الحوارية (Talk Shows)، حيث تحولت الشاشات إلى منابر لتبادل التخوين، مما زاد من حدة الاحتقان الشعبي بين النازحين والمجتمعات المضيفة.
انتهاك الخصوصية: رصدنا كاميرات تقتحم لحظات الفقد والحداد، وتصور أطفالاً في حالات صدمة دون مراعاة لأي مواثيق أخلاقية، فقط من أجل “سكوب” يبكي المشاهدين.
التكنولوجيا في الخدمة: الجرافيكس والواقع المعزز
من الناحية التقنية، شهدنا قفزة في استخدام تقنيات الـ 3D والواقع المعزز لشرح مسارات الصواريخ وتوزع القوى. كانت هذه الأدوات مفيدة جداً لتبسيط المشهد المعقد للمشاهد، لكنها أحياناً حولت الحرب في ذهن المتلقي إلى “لعبة فيديو” (Video Game)، مما أدى إلى نوع من “التبلد الحسي” تجاه المأساة البشرية الحقيقية خلف تلك الرسوم.
إعلام “الخنادق” لا يبني وطناً
نجح الإعلام اللبناني في أن يكون صوتاً للمظلومية ومرآة للعدوان، لكنه فشل في أن يكون “مساحة مشتركة” للوعي. غلبت الأجندات السياسية على المهنية الصرفة في كثير من المفاصل، وظل المشاهد اللبناني يبحث عن الحقيقة بين “المانشيتات” الملونة بلون الزعيم أو الحزب.
الحرب ستنتهي يوماً ما، لكن السؤال سيبقى: هل ستستطيع هذه الشاشات غسل وجوهها من غبار التحريض لتعود منابر للحوار؟


