بيروت | خاص HMG
لم يعد الجنوب اللبناني مجرد جبهة “إسناد” أو ساحة لتبادل الرسائل الموقوتة؛ فالمعطيات الميدانية التي سجلها شهر أيار 2026 تشير إلى أن المنطقة دخلت أخطر منعطفاتها منذ عقود. مع تصاعد أعمدة الدخان من تلال كفرشوبا وصولاً إلى شواطئ الناقورة، يبدو أن قواعد الاشتباك التقليدية قد وُوريت الثرى، لتبدأ مرحلة “الجراحة العسكرية” القاسية التي تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
استراتيجية “الأرض المحروقة”: ما هو الخط الأصفر؟
تتقاطع التقارير الاستخباراتية عند مصطلح جديد بات يتردد في أروقة القرار العسكري: “الخط الأصفر”. وهي خطة إسرائيلية تهدف إلى عزل جغرافي كامل لعمق يصل إلى 10 كيلومترات، يشمل حوالي 85 بلدة حدودية.
هذه السياسة لا تعتمد على المواجهة المباشرة فحسب، بل على تحويل هذه القرى إلى مناطق “غير قابلة للحياة”. ومن خلال تدمير البنية التحتية الحيوية، مثل جسور الليطاني والقاسمية، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى قطع الشرايين اللوجستية بين الجنوب وبيروت، مما يجعل عودة النازحين -الذين تجاوزت أعدادهم المليون نسمة- أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور.
كسر الخطوط الحمر: من الميدان إلى الضاحية
التحول الدراماتيكي الآخر يتمثل في نقل المعركة من “حافة الهاوية” إلى “قلب العمق”. الاغتيالات الأخيرة التي طالت قيادات من الصف الأول في “قوة الرضوان” بقلب الضاحية الجنوبية لبيروت، لم تكن مجرد ضربات أمنية، بل هي إعلان إسرائيلي بإنهاء “حصانة العاصمة”. هذه الضربات تضع “حزب الله” أمام خيارات أحلاها مرّ: فإما الرد الذي قد يشعل فتيل حرب إقليمية شاملة، أو القبول بفرض منطقة عازلة تقوض نفوذه العسكري جنوب الليطاني.
سباق مع الزمن: لغز “اليونيفيل”
ما يزيد المشهد تعقيداً هو الاقتراب من نهاية عام 2026، الموعد المرتقب لمراجعة تفويض قوات “اليونيفيل”. هناك تخوف حقيقي من “فراغ أمني” دولي قد تستغله الأطراف المتصارعة لفرض أمر واقع جديد. السيناريو الأكثر ترجيحاً الآن هو ضغط دولي تقوده واشنطن وفرنسا لفرض ترتيبات أمنية قسرية، تشمل زيادة انتشار الجيش اللبناني كقوة وحيدة شرعية، مقابل انسحاب إسرائيلي من النقاط الحدودية المتنازع عليها، وهو حل “دبلوماسي تحت النار” لا يزال ينتظر نضوج الظروف الإقليمية.
الخلاصة الميدانية
إن الجنوب اللبناني اليوم ليس أمام “جولة قتال” عابرة، بل هو في قلب عملية إعادة تموضع استراتيجي كبرى. فبين مطرقة الغزو البري الوشيك وسندان التسويات القسرية، يبقى المواطن الجنوبي هو الحلقة الأضعف في صراع الإرادات بين تل أبيب وطهران.
الأيام القادمة لن تحدد فقط مصير القرى الحدودية، بل قد ترسم الملامح النهائية للبنان “الجديد” في ظل التحولات الإقليمية الكبرى.

