
بقلم: بيار حداد
في لحظة سياسية مصيرية يكاد يتماهى فيها مصير الكيان اللبناني مع معادلات الإقليم المتفجرة، يخطّ قصر بعبدا فصلاً جديداً من فصول استعادة المبادرة الرسمية. لم يعد سراً أن المقاربة التي يعتمدها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حيال ملف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تمثّل انعطافاً تاريخياً وجذرياً في العقيدة السياسية الرسمية للدولة اللبنانية، ونقلاً صريحاً للرئاسة الأولى من موقع المهادن لقوى الأمر الواقع إلى موقع المرجعية السيادية والقرار الحصري.
يتصرف العماد عون اليوم بعقلية “الجنرال الذي يقود معركة دبلوماسية”، مستنداً إلى ركائز عقائدية صلبة وشجاعة سياسية غير معهودة في المشهد اللبناني المعاصر. ففي مواجهة حملات التخوين التقليدية التي طالما أشهرتها قوى الممانعة بوجه أي مسعى ديبلوماسي، جاء رد الرئيس حاسماً ومباشراً ليعيد عقلنة مفهوم التفاوض؛ حيث أطلق عبارته الشهيرة التي هزت الأوساط السياسية: “المفاوضات ليست خيانة.. الخيانة هي في جر لبنان إلى حروب الآخرين”. من خلال هذا المنطق، تمكن عون من نزع صفة “العار” عن الخيار الدبلوماسي، مذكّراً بأن اتفاقية الهدنة لعام 1949 والترسيمات اللاحقة لم تكن صكوك استسلام، بل أدوات شرعية لحماية حقوق الدولة وأبنائها.
أما المرتكز الثاني في استراتيجية عون، فهو الرفض القاطع لمبدأ “ربط الساحات”. ترفض بعبدا اليوم، وبشكل معلن، أن يكون لبنان ورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية، أو أن يدفع أبناء الجنوب أثماناً لحروب إسناد لصالح أجندات خارجية. التفاوض في قاموس الرئيس عون هو تفاوض نداً لند، سقفه لبناني خالص، وهدفه الانسحاب الإسرائيلي الكامل دون أي تنازل عن شبر واحد من الأرض، مع التأكيد على حصرية حق الدولة في حماية حدودها بواسطة جيشها الشرعي.
وفي قراءة متأنية لأسلوب إدارة الرئيس لهذا الملف الشائك، يبرز ذكاء مؤسساتي لافت يتجلى في الثنائية المتناغمة بين قصر بعبدا والسراي الحكومي بالتنسيق الوثيق مع رئيس الحكومة نواف سلام. هذا التكامل والانسجام يمنحان المفاوض اللبناني غطاءً شرعياً وصلابة في مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية على حد سواء.
لكن الأهم في استراتيجية الإدارة العونية هو “سحب البساط” من تحت أقدام قوى الأمر الواقع. فالدعوة الصريحة للمفاوضات المباشرة برعاية دولية ليست مجرد مناورة، بل هي سحب لشرعية قرار السلم والحرب من يد حزب الله، وإظهار خيار الحرب كخيار فئوي مدمر مقابل الدولة كملجأ وحيد لإنقاذ البلاد وتأمين عودة النازحين بكرامة.
وفيما يتعلق بسلاح الحزب، لا يذهب الرئيس نحو صدام عسكري مباشر ومتهور، بل يعتمد أسلوب “القضم الدبلوماسي” الواقعي، معتبراً أن المهم هو “نزع وظيفة السلاح”، وأن المسألة تحتاج إلى وقت وتدرج، شرط أن يسير هذا الملف بالتوازي مع بسط سلطة الجيش كاملة في الجنوب والاستقواء بالدعم الدولي والغطاء الأميركي الذي نجح عون في تثبيته من خلال نقل ثقل اللقاءات العسكرية والسياسية إلى العاصمة واشنطن.
يواجه الرئيس جوزاف عون اليوم هجمات مضادة عنيفة، تجسدت في الانتقادات الحادة التي وجهها الشيخ نعيم قاسم للحكومة والسلطة، في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إلا أن الرهان الحقيقي للاستراتيجية الرئاسية يكمن في مدى صمود الموقف اللبناني الموحد، وقدرته على إلزام المجتمع الدولي بوضع حد للتدمير الإسرائيلي الممنهج، لتحويل مسار واشنطن التفاوضي من مجرد جولات أمنية مؤقتة إلى إنجاز سيادي تاريخي يثبّت استقرار لبنان الدائم ويستعيد هيبة الدولة المفجوعة.
