كتب المحلل السياسي والاستراتيجي
تعيش المنطقة اليوم واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، حيث تتأرجح بين “سلام الشجعان” و”انفجار شامل”. ومع انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف (شباط 2026)، يبدو أن الطرفين، واشنطن وطهران، قد دخلا مرحلة “عض الأصابع” النهائية. فبينما تحشد الولايات المتحدة تعزيزاتها العسكرية في المتوسط والخليج، تقدم إيران حزمة مقترحات توصف بأنها “الفرصة الأخيرة” لتفادي الأسوأ.
كواليس جنيف: ماذا حدث في الغرف المغلقة؟
المفاوضات التي تجري بوساطة عمانية ومشاركة مباشرة من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لم تعد مجرد تكرار لاتفاق 2015. وبناءً على المعطيات المسربة، إليكم أبرز ما تم تداوله:
عقدة التخصيب: قدمت طهران مقترحاً “خلاقاً” يتضمن شحن نصف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، وخفض نسبة التخصيب في النصف المتبقي إلى مستويات مدنية (أقل من 3.67%).
المطلب الأمريكي الصارم: تصر إدارة ترمب على “اتفاق دائم” لا ينتهي بمدد زمنية محددة (Sunset Clauses)، مع المطالبة بتفكيك واسع للبنية التحتية النووية، وهو ما تراه طهران مساساً بسيادتها.
المقايضة الاقتصادية: عرض النظام الإيراني انفتاحاً على “استثمارات أمريكية” وضمانات أمنية مقابل الرفع الكامل والفوري للعقوبات المالية.
ملفات “ما بعد النووي”: تحاول واشنطن إقحام ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، بينما تصر طهران على أن هذه الملفات خارج طاولة البحث في المرحلة الحالية.
طبول الحرب: هل المواجهة حتمية؟
رغم “الابتسامات البروتوكولية” في جنيف، إلا أن خيار الحرب لم يسحب من الطاولة. التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن نسبة احتمال وقوع ضربة عسكرية قد تصل إلى 90% في حال فشل هذا المسار الدبلوماسي.
التحشيد العسكري: إرسال حاملة طائرات ثانية ونشر منظومات “باتريوت” في قاعدة العديد القطرية ليس مجرد استعراض قوة، بل هو تهيئة لمسرح العمليات.
الردع الإيراني: ردت طهران بمناورات بالذخيرة الحية في مضيق هرمز، مهددة بـ “إغراق حاملات الطائرات” واستخدام ترسانتها من الصواريخ الباليستية التي يمكنها طال أهداف حيوية في المنطقة.
العامل الإسرائيلي: ثمة توجه داخل الإدارة الأمريكية يفضل أن تكون إسرائيل “رأس الحربة” في أي هجوم أولى، مع توفير دعم لوجستي وعسكري أمريكي كامل.
الخلاصة: “جنون منضبط” أم انفجار؟
المنطقة حالياً في حالة “جنون منضبط”؛ فالكل يلوح بالقوة لانتزاع أكبر قدر من التنازلات على الطاولة. الدبلوماسية لا تزال تملك فرصة، لكنها فرصة “هشة”. فإذا لم ينتج عن “مقترحات جنيف” اتفاق إطاري واضح خلال الأسابيع القليلة القادمة، فإن احتمالات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية محدودة أو شاملة ستصبح واقعاً لا مفر منه.
السيناريو الأرجح: التوصل إلى “تفاهم مؤقت” يمنع الحرب ويجمد التصعيد، بانتظار ترتيبات إقليمية أوسع، لأن كلفة الحرب الشاملة لا تزال باهظة جداً على فاتورة الاقتصاد العالمي وطموحات الإدارة الأمريكية الحالية.

