بيروت – ماجدة داغر
في ليلة التقت فيها الذاكرة والموسيقى، احتضنت الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت أمسية استثنائية من الروائع السمفونية (An Evening of Symphonic Masterpieces)، بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى “الكونسرفتوار”، المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القوّاس.
أحيت الأمسية الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو القدير هاروت فازليان، في تظاهرة فنية امتزجت فيها العراقة بالمستقبل، لتؤكد مجدداً على إرادة الحياة الثقافية التي تنبض بها العاصمة اللبنانية بيروت.
تحية وفاء من وسط “الانتظار اللبناني“
استُهلت الأمسية بكلمة مفعمة بالدلالات للدكتورة هبة القوّاس، عبّرت فيها عن اشتياق الصرح وعازفيه لقيادة المايسترو فازليان الذي عاد خصيصاً من دبي ليقود هذه الليلة. واستحضرت القوّاس بأسى شفيف مرور 15 عاماً على رحيل الدكتور وليد غلمية (في 7 حزيران 2011)، “الذي أعاد تأسيس الكونسرفتوار وبناءه من وسط رماد الحرب وانهياره”.
وأوضحت القوّاس أن المعهد كان ينوي إقامة تحية تكريمية كبرى تليق بقامته، إلا أن ظروف البلد فرضت التأجيل، متبنيةً موقف المايسترو فازليان الذي رفض مزيداً من الانتظار وقرر إطلاق هذه التحية الوفية اليوم. وفي مقاربة فلسفية عميقة، ربطت القوّاس بين سمفونية “القدر” لبيتهوفن وسمفونية “الشهيد” لغلمية، قائلة:
“إن مفهوم الشهادة عند الدكتور وليد غلمية لم يكن مجرد فناء، إنما هو تجسيد لكل إنسان وهب نفسه وكيانه لهدف وجودي كبير في الحياة ومات لأجله، وهو الذي وهب عمره للموسيقى ومات لأجلها، تاركاً إرثاً سمفونياً هائلاً”.
كما انتهزت القوّاس المنابر لتعلن رسمياً عن انطلاق احتفالات “عيد الموسيقى“ لتشمل المناطق اللبنانية كافة، مؤكدة: “لا نستطيع إلا أن نكون لبنان الحقيقي، بوجهه المشرق والأصيل، من خلال الموسيقى”.
البرنامج الموسيقي: رحلة بين الشرق، الكلاسيكية، والإرث اللبناني
تحت عصا المايسترو هاروت فازليان، الذي قاد الأوركسترا برؤية فنية جمعت بين الصرامة الأكاديمية والحرية التعبيرية الشاعرية، تنقل الجمهور بين ثلاث محطات موسيقية عالمية ومحلية:
النبض الشرقي مع خاتشاتوريان: افتتح البرنامج بمتتالية باليه “غايانه” للمؤلف الأرمني آرام خاتشاتوريان، حيث قدمت الأوركسترا “رقصة السيوف” الشهيرة، و”رقصة العذارى”، و”مناجاة عائشة”، وصولاً إلى رقصة “الليزغينكا” من الفولكلور القوقازي، مبرزةً التباين اللوني الباهر.
ذروة الكلاسيكية مع بيتهوفن: انتقل الحضور إلى السمفونية الخامسة للموسيقار العالمي لودفيج فان بيتهوفن، حيث تجسدت “ضربات القدر” في حركتها الأولى، وتصاعدت ببراعة نحو الخاتمة المظفرة في الحركة الرابعة، معلنةً انتصار الإرادة البشرية على قيود الظلام.
مسك الختام.. “حرية” وليد غلمية: في لفتة وفاء وتأكيد على الهوية الموسيقية اللبنانية، اختتمت الأمسية بتقديم الحركة الثالثة التي تحمل عنوان “حرية” (Hurriyah) من السمفونية الرابعة “الشهيد” للدكتور وليد غلمية. وصيغ هذا العمل ببراعة مرتكزاً على نوتات من الفولكلور العراقي تفكيكاً وترميماً، ليعكس مسار التحرر والنهوض.
جاءت هذه الأمسية لتؤكد مجدداً أن الموسيقى ستبقى الملاذ الأخير للجمال، والحصن الثقافي الذي يحمي الهوية اللبنانية والإنسانية، معيدة لبيروت ألقها الفني الراسخ الذي لا يحده زمان ولا مكان.

